الإثنين , سبتمبر 16 2019

بطل الجزيرة الخضراء العميد مجدي بشارة: بطفولتي حاربت الأستعمار وهكذا لبيت نداء عبد الناصر

  • تجرعنا الهزيمة لكننا كسرنا الصهاينة بالاستنزاف!!
  • لهذا السبب سميت “الجزيرة الخضراء” وقررت اسرائيل احتلالها فقدت المعركة الخالدة

حين نذكر اسم الجزيرة الخضراء يخطر على بالنا فورا قائدها وبطلها الباسل العميد مجدي بشارة الذي قاوم الصهاينة ومنعهم من احتلالها، كما ان بطولاته لا تنحصر على حماية وانقاذ البحيرة، حيث ان حياته منذ الطفولة كانت مليئة بالمحطات البطولية ضد الاستعمار.. في القاهرة التقيته وخصني بحوار الذكرايات كما ان فيلماً انجز عن سيرته مؤخراً ضمن سلسلة “رجال من ذهب”، ولأنه أرشيفي الذي أعتز به وبكل ضيوفه، اعيد نشر هذا اللقاء الذي تم قبل عامين في منزله ونشرته مسبقاً في “الجرس”، وكون العميد بشارة ترك اثراً كبيراً في نفسي وبالتالي لأني هذا الأرشيف هو جزاء من روحي وحياتي المهنية أعيد نشر الحوار مرة أخرى في “الموقع”

الحلقة الاولى

حوار/ابتسام غنيم(من الارشيف)

*لنتحدث عن الطفل مجدي بشارة الذي كان يملك حسا وطنياً؟

– منذ سن الحادية عشرة كان لي واقعة غريبة سأرويها لك للمرة الاولى، انا من مواليد مدينة بور سعيد المعروفة بالمدينة الباسلة، التي كانت ترزخ تحت الاحتلال البريطاني، وكان الانكليز يحتلونها، ولدت ووجدت بلدي مستعمراً، ومن منا لا يكره الاستعمار؟ وانوه اني من مواليد 1942 في ليلة كانت مليئة بالغارات وكان اهلي حينها بالملجاء، نشأت ووطني مستعمراً على أصوات القنابل والغارات، وكل هذه الامور شكلت بداخلي كرهاً لكل ما هو محتلاً سواء لبلدي او لغيري من الدول الشقيقة، والدي كان يعمل مديراً لادارة الجوازات والجنسيات وبحكم عمله كان يعرف كل الاجانب المقيمة ببور سعيد، وبالتالي كل الفلسطينيون الذين هاجروا من بلادهم بعد حرب 48 واخذوا اقامات من الوالد ليعيشوا ببور سعيد، وفي عمر ست سنوات، صرت اشاهد الفدائيون الفلسطينيون يدخلون بيتنا حيث كان والدي يأويهم من الانكليز الذين كانوا يجوبون المدينة بحثاً عنهم، وكنت اسأل والدي عن سبب وجودهم ببيتنا، فكان يقول لي ان الصهاينة أحتلت ارضهم والانكليز ضدهم ونحن نساعدهم بالاختباء، ونسهل مرورهم من بور سعيد الى غزة ورفح والعريش وصاروا يقومون بهجمات على الصهاينة عامي 1949 و 1950، ومن هنا كنت أعاصر هذه الحقبة، وأشاهد كيف يخبئون الاسلحة والذخائر ببيتنا، وازداد كرهي للمحتل المغتصب..(ويضيف) وفي عام 1951 وكان لدي عشر سنوات شاهدت مظاهرة ضد الجلاء الانكليزي عن مصر، المحتل لم يعجبه الوضع وحاولوا فض المظاهرة، لكن الشباب المصري رفض فما كان منهم الا ان اطلقوا الرصاص الحي على المتظاهرين وسقط امامي خمسة شهداء وتسعة جرحى، طبعاً هذا المشهد آلمني كيف ان المغتصب يقتل اهل بلدي، (ويتابع) كنت أهوى لعب الكرة وكان يوجد مقهى اسمها “قهوة المصري”، ثم صار اسمها قهوة الضزوي” تيمناً بلاعب الكرة الشهير سيد الضزوي، وكان يقصدها الفدائيون ويتحدثون عن العمليات التي قاموا بها في السويس والاسماعيلية، وكنت أهرب مع اثنين من اصحابي وهما احمد العجرودي ونبيل منصور ونسترق السمع لهؤلاء الابطال البواسل،(يصمت وتدمع عيناه)، احمد ونبيل كانا من أعز رفاق الطفولة، وقررنا أن نأخذ بثأر المتظاهرين الذين لقوا نحبهم وأن نقوم بعملا فدائياً، مثل الكبار وأن نأخذ بثأر المصريين الذين قتلوا بالمظاهرة، (تدمع عيناه مرة اخرى ويتابع) كنت أصغرهم سناً واحمد يكبرني ببضعة شهور ونبيل يكبرني بعام واحد، وكانت الخطة التي وضعناها هي أن نقوم بغارة على معسكر جيش الانكليزي وكان أكبر معسكراً حينها، واتفقنا أن نقلد بائعوا الكوكا كولا الذين يتجولون ويبيعون الزجاجات الغازية في “جرجل” أي دلو، وكان هذا المشهد مألوفاً لدى المحتل الذي كان يشتري منهم الكولا مقابل السغائر، فعمدنا الى تقليدهم كي لا يشكوا بأمرنا، وأحضرنا الدلو وصنعنا كرات من القماش غرقناها بالبنزين والكاز بقلب الدلو، ووضعنا فوقها زجاجات الكولا وبضع قطع من الثلج واتفقنا ان احمل الدلو واقترب من المعسكر، وبعد ان يطمأن رفيقاي من ان احداً لم يشك بي يهرولان نحوي ويأخذان الدلو مني، وافر هارباً بعد أن أكون قد امنت لهم الوصول الى المعسكر، وهذا ما حصل بالفعل وفي لمح البصر، رموا الدلوا بعد أن أشعلوا كرات القماش المغمسة بالبنزين على خيم المعسكرات وأحرقوا حوالي خمسة اوست خيمات، وما ان شبت الحريق حتى هرولنا ثلاثتنا، ونحن نهتف والعساكر الانكليز تهرب وتطلق صفارات الانذار، واستخدموا أسلحتهم وأطلقوا علينا الرصاص، وكانت النتيجة أن اصيب احمد العجرودي بذراعه، ونبيل منصور استشهد لحظتها ونجيت انا، لكني حتى اليوم لا انسى مشهد نبيل وهو مصابا برصاصة في رأسه ونخاعه متدلياً على الارض، وأُشيع بالمدينة أن ثلاثة اولاد قاموا بعملية ضد الانكليز، ولم يعرف منهم سوى اسم الطفل الذي استشهد، وبعد سنوات سجلت العملية في متحف العربي ببور سعيد وحملت مدرسة اسم نبيل منصور حتى اليوم، بالاضافة الى شارع بأسمه وقصته تُدرس للاطفال بكتب التاريخ بالمرحلة الابتدائية حتى هذا اليوم، ومن هنا صار الحس الوطني يكبر بداخلي لا سيما بعد العدوان الثلاثي على بور سعيد، واحتلال بور فؤاد وتوجيه انذارلنا باحتلال المدن ما لم نوافق على طلبات المستعمر، وطبعا الزعيم جمال عبد الناصر رفض هذا الطلب وبالتالي الاستسلام ودارت معارك قاسية في بور سعيد، عندها وجه عبد الناصر نداءً لكل المصريين عبر الاذاعة يقول فيه “هبوا لنجدة بور سعيد”، وارسل قطار 6 حديد مليئا بالاسلحة والرشاشات والذخائر، ودارت ميكروفونات بالمدينة تحث الجميع للدفاع عن الوطن، حينها كنت في الـ 14 سنة واخذت بندقيتان لي ولوالدي وصناديق ذخيرة وذهبت الى البيت، وما أن سمعنا بأسقاط المظليين حتى هبت المدينة لتضربهم، وركضت مع الشباب وصرنا نشتبك مع المظليين ودارت معاركاً عنيفة بينهم وشباب المدينة، لكن كفتهم رجحت لتفوقهم العددي بالاضافة للاسلحة التي يملكونها، فصرنا نتراجع وانسحبنا واحتلت بور سعيد وكان دوري هنا بسيطاً ولم اخطط له بل كان بدافع حسي الوطني البحت، وقررت عام 1954 الالتحاق بالجيش المصري وأصبح ضابطاً بالجيش، ورحب والدي بالفكرة جداً وشجعني وشجع شقيقاي ايضا، فتخرجت ظابطا بالدفاع الجوي، وشقيقي وصفي صار ضابطاً بالقوات الجوية، وكمال ضابطاً بالمدفعية الصاروخية ومن هنا بدأت رحلتي مع الكلية الحربية.

*كيف ومتى انتسبت الى الكلية الحربية ؟

-عام 1959 انتقلت للكلية الحربية ودرست ثلاث سنوات كاملة، باستثناء 10 ايام اجازة في الصيف فقط، وقبل موعد التخرج احتاجت القوات المسلحة عدداً من الضباط وعلمنا اننا سنقوم بأمتحان مسابقة ومن سيفوز سيتخرج لتو ضابطا، وكان من نصيبي أن اتخرج في 1 / مارس(اذار) عام 1962، وبدأت من هنا حياتي العسكرية وتحديداً بالمدفعية المضادة للطيارات، واختصارها (م/ ط)، وفي عام 1993 نلت مرتبة أكفأ ضابط للمدافع، وكافأني الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وكانت أول مكافأة اتلقاها، وبعدها صرت اترقى بمنصبي، وفي عام 1967 صدمتنا النكسة وكنت حينها رئيس عمليات مضادة بمطار “شاوا” في المنصورة وتعرض يومها لهجوم كاسح، وتدمرت القاعدة الجوية بالكامل، وكان انسحابنا مهرولاً وغير منظم واسرائيل اصابتنا بنكسة واحباط.

*كيف كان شعورك حين سمعت خطاب التنحي للزعيم جمال عبد الناصر؟

– كلنا نعشق ونجل عبد الناصر فقد كان مثلنا الاعلى وزعيمنا وقائد الامة العربية، ويملك كاريزما مميزة جعلت الناس تعشقه، وشخصيا عندما سمعت خطابه بالتنحي بكيت لاني لم استوعب أن يتنحى كما لم أستوعب قبلها الهزيمة على الرغم ما كانت تذيعة الاذاعات من ادعاءات غير صحيحة من اننا على مشارف النصر، وللاسف الحقيقة كانت عكس ذلك تماما اذ شربنا مرارة الهزيمة، لدرجة اننا كنا نخجل أن نمشي بالشارع ونحن نرتدي البدلة العسكرية، لكن بعزيمتنا رفضنا الهزيمة وقررنا أن نقف من جديد ونكثف التدريبات، وننظم صفوفنا استعداداً لمعركة حرب الاستنزاف التي طالت مدتها ست سنوات بيننا واسرائيل، كنا حينها على الضفة الغربية وهم على الضفة الشرقية لبحيرة قناة السويس، ويوميا كان بيننا تراشقا بالمدفعية وغارات جوية وتقاتلاً وقتالاً، وجيشنا دمر ايلات ورجال الصاعقة قاموا ببطولات رائعة وقتلوا عدة صهاينة واسروا كثراً، وكانوا ايضاً يجلبون الاجهزة الخاصة بالموساد، ومن هنا كنا نسبب لها ازعاجا وقلقاً، لذا سميت بحرب الاستنزاف، اذ كان الغرض منها أن نستنزف كل قواهم ليفقدوا قواتهم البشرية وروحهم المعنوية واسلحتهم، وكان لا بد أن نكسرهم فجأت معركة “رأس العش” حيث استطاع رجالنا ان ينتصورا وبطلها كان الشهيد الحي عبد الجواد السويلم الذي تقطعت اطرافه وسبق ان خصك بحوار.

*وماذا عن معركة الجزيرة الخضراء الخالدة؟

– الجزيرة الخضراء كتلة واحدة من صخر الغرانيت موجودة بقلب الماء وكلها أعشاب ملونة تعكس اللون الاخضر لذا سميت كذلك، طولها من الشمال للجنوب حوالى 190 متر وعرضها 90 متر بعض الاجزاء منها يصل ارتفاعها الى 30متر فوق سطح المياه، ومن الصعب جدا تسلقه  فكان موقعنا  محصناً جدا لانه مصمما بطريقه هندسيه ميدانيه صحيحة، وعلى فكرة الجيش الانكليزي ايام الاحتلال أقام فيها وحفر الخنادق، وتتكون من ثلاث طوابق الاول لخزائن الذخيرة والاسلحة، والثاني بمستوى سطح البحر وهو المطبخ وأماكن نوم الضباط، أما الثالث أي العلوي كان فيه المدافع الجاهزة للاشتباكات، كنت حينها برتبة نقيب وابلغ من العمر 27 عاما حين قدت المعركة الخالدة في الجزيرة الخضراء بالسويس ضد إسرائيل يوم 19 يوليو عام 1996 حيث قرر العدو أن يستولي عليها، كونها كانت وسط خليج السويس تعتبر موقعا استراتيجيا جدا ليس له مثيلاً في العالم، لانها تتحكم في مجرى الملاحه للبحر الاحمر كله، وايضا تتحكم في ملاحه قناه السويس وموقعاً عسكرياً من الطراز الاول في وسط البحر، ومن هنا قررت القوات الاسرائيلية أن تدمرها وتحتلها وذلك نظرا لاهميه الموقع الجغرافي لها أي للجزيره.

(يتبع)

 

 

شارك الخبر

تفقّد ايضاً

اعتماد خورشيد: شريهان كانت ملاكاً ولا علاقة لي بالكتاب المسيء ضدها وفاتن حمامة اعترفت بملاحقة صلاح نصر لها!!

حوار/ ابتسام غنيم(من الارشيف) *والدتها عزتني بوفاة ابنتي وعمر خورشيد لم يحاول قتلي كما أُشيع. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.