الجمعة , أبريل 26 2019
أخبار عاجلة

غنّ لي الحياة…مارسيل والدّعوة إلى الحبّ

كتبت/ وداد طه

في الطّريق إلى البيت، استمعت إلى الإسطوانة الموسيقيّة الجديدة لمارسيل خليفة، والتي وقّعها لعشّاق موسيقاه في معرض الكتاب الأخير في بيروت، لا أعرف لمَ خطر لي أن أكتب عن هذا الإصدار، وأنا لست من ذوي الاختصاص، ولا أعرف إن كنت سأوفّق في الكتابة عنه، ولكن أرجو أن يشفع لجهلي بالموسيقى أنّي أبحث عن المعنى المتخفّي الذي داخلني وأنا أستمع.

ترتفع أولى النّغمات موحية بأنّ روح الـ”سي دي” عالية، بسيطة ورشيقة تتدفّق مذكّرة بهدير الحروب البعيدة وتراتيل الكنائس وصرخات مبحوحة مبهمة ولكنّها مـألوفة.. البيانو والكمان خلفيّة منسابة تترقرق مع صوتي مارسيل وعبير نعمة، في أولى القصائد المغنّاة وهي بعنوان “الموسيقى” تذكر العشّاق والإنسان عامّة، بجميل ما قد يكون فيما لو أنّ الموسيقى هي من يحرس الأيّام، وفيها ننتظر بعضنا “في هذه الموسيقى انتظريني”، جملة موسيقيّة وجماليّة بلاغيّة عميقة، كانت لتكفي كاتبها بعثًا للحبّ في القلوب.

ثمّ تنفرد عبير نعمة في مقطوعة “المزمار”، التي يجمع فيها مارسيل الطّرب والليل والدّفّ، بالنّغمات المستوحاة من أجواء تذكّرنا بموسيقى السّمفونيّات الكبرى.. كلمات المقطوعة جميلة ” أنحت مزماراً من عظامي، يغنّي اشتياقك…” ولكن يتفاجأ السّامع بجملة ” ليفتح ويسدّ ثوب الكينونة”، فهل المقصود أن يتلفت السّامع إلى الكلمة، فيبحث عن معناها واستعمالاتها المختلفة في الفلسفة؟ أم المقصود تثقيف المتلقّي أم أنّه من البدهيّ أنّ من يسمع لمارسيل سيعرف معنى الكلمة لأنّه مثقّف؟

مع خلفيّة موسيقيّة حذرة وخفيضة كأنّها تسمع من البعيد، تبدأ “راجع” تذكر بأجواء أغاني فيروزوالرّحابنة إذ تقول كلماتها: “قالولي إنك راجع عذهب الأرض راجع عحصان البرد راجع…قالولي جايي من بير العيد قالولي جايي بفرح الزّغاريد” ، فيها لا يستغني مارسيل عن أجواء الموسيقى الاحتفاليّة الممزوجة بنغمات الأوركسترا، ثمّ ” هيدا إنت” بكلماتها المشابهة لمعاني فيروزيّات القرن الماضي من مثل ” يا صوت كل ما اسمعتني غنّيت احبسلي حبيبي بالصّدى” التي هي شبيهة ب ” احبسلي حبيبي بخاتم” خبّيت نجمة خبيت وردة مفتّحة، أجواء فيروزيّة، موسيقى وأداء ” لا تقول عن هالبيت إنو بيت…جايي حبيبي عالهدا”، فلا نشعر بجديد أو مدهش سوى صوت عبير الاستثنائيّ.

“ما أجمل الحبّ” قصيدة فصحى عذبة، طربيّة وخفيفة، يطرح على لسان شاعرها، التّساؤل عن صلاحيّة الورود للحبّ والجنائز، للحياة والموت أو الرّدى كما هي في القصيدة،

لميلاد الجلّادين وأضرحة الشّهداء، تصرخ عبير نعمة يا الله مناجية، طالبة الرّحمة أو جواباً على تساؤل لا مجيب له، فيبقى السّؤال معلّقاً، لأنّنا لا نكتفي من تلك المقارنات بالحبّ جواباً يوازي بين تلك الصّور بسبب الفروق السّحيقة بين رموزها، ولا نكتفي بمديح الوردة من أجل نشر الحبّ…لا ترضينا المقاربات المرجوّة كمستمعين، حتّى لو كان الهدف من الأسطوانة كلّها هو الدّعوة للحبّ في مقابل الحرب.

“بعتلك صوتي” وصورة الصّبيّة التي تنتظر حبيبها وتحيا الرّومانسيّة العذبة، هي أيضاً تذكّر بأغاني فيروز، وهل يجوز أن تبتعد الموسيقى عن صور الحقيقة المعيشة، وهل كلّ ما تبقّى من معانٍ جماليّة صالحة للغناء هي صور الأم والأبّ، ” كان عندي إمّي وكان عندي بيي تصير، الدّنيي تبرم فيي وتضوي العتمة شمسات” لا أعلم لمَ ذكّرتني بأغنية أطفال لماجدة الرّومي غنّتها لسمكتها، ولا أقصد تقليلًا من أهميّتها أو انتقاصًا لبساطتها، فالجمال الذي توحي به البساطة لا يقاومه أحد ولا يضاهيه جمال، ولكن أستغرب نمطيّة الصّورة، وبعدها عن الواقع المعيش، صحيح أنّ الحبّ يكرّر صوره والحياة إجمالًا تفعل ذلك، ولكن هل يمكن ألّا تتمكّن موسيقى متجدّدة ومختلفة عن تقديم صورة مختلفة للمرأة، تكون أكثر قابليّة للعيش، تعكس اهتمامتها اليوم، وتغيّر أسلوب الحياة والأهداف والرّؤى.

المقطوعة رقم عشرة ” يا مريم” لا نستغرب إدراجها ضمن الأسطوانة، لأنّ عبير عرفت بكونها مرتّلة، وهي مقطوعة جميلة، قد تؤكّد ما ألمحت إليه من إمكانيّة أن يكون هذا العمل يحمل رسالة هي المقاومة بالحبّ، كما تعكس هويّة إنسانيّة نحترمها للمغنّيين: مارسيل وعبير.

“الحنّة” تساءلت عن إدراجها ضمن الأسطوانة، فقلت إنها ضرورة لإتمام عدد الأغاني في الأسطوانة، أو لأنّ عبير تحبّ أداءها أو أنّ مارسيل قد جدّد في موسيقاها، ثمّ تنبّهت إلى معنى آخر، نابع من كونها تجمع بين الفصحى واللهجة المصريّة في مقاطعها، فقد يكون محاولة لإرضاء جماهير الشّارع المصريّ، ولمس ذائقة الشّارع العربيّ عامّة، ابتعاداً من قوّة الفصحى التي طغت في غير مقطوعات، أكّد هذا المعنى لديّ ورود أغنية” يا محلا نورها” القريبة من وجدان الشّارع، إذ التصقت بالذّاكرة مع سيّد درويش ومن ثمّ فيروز، وهي في بساطتها تحمل رسالة ترتبط بنفسيّة العربيّ لجهة أنّه يغنّي لأرضه وشمسه وبقرته، وفيها دعوة للحياة التي تتجدّد مع الصّباح كلّ يوم.

“فكّر بغيرك” المقطوعة الثّالثة عشر في الأسطوانة، هي قصيدة لمحمود درويش، تغنّيها عبير برهافة إحساس وانسايبيّة، وكأنّ صوتها نهر جار، يرافقها كورال يوحي بأنّ، المُغنّى طلب جماعيّ. ثمّ تأتي ” غنّي قليلًا” المقطوعة التي يحمل السّي دي اسمها، مهيبة، تامّة ومكتنزة، فرحة كفتاة شقيّة تتراقص بفستانها الجديد، حنونة ودافئة وقويّة وحزينة معًا، تبثّ شعور الإنسان بالوحدة في هذا العصر، وحزنه الأزليّ…” غنّ قليلًا يا عصافير…فإنّي كلّما فكّرت في أمر بكيت” السّؤال الذي تبادر إلى فكري: إذا كانت العصافير هي المقصودة فلماذا لم تحذف الياء من فعل الأمر؟ لا أرى مسوّغًا إلّا أنّ عبير هي المقصودة، وذلك يحسب لهما، وهي فعلًا قد أدّت بصوت ملائكيّ، مردّدة فعل الأمرغنّ مرارًا، تصحب الجملة الكلامية جملة موسيقيّة فرحة وطازجة وشهيّة ولانهائيّة.

” غنّ إنني علٌقت روحي نجمة في ليل شعبي، ومضيت ومضيت ومضيت وتطول الآه في صوتها، وكأنّ الطّريق لا ينتهي، وتعتصر الكمنجة في الخلف روحها، ونشعر أنّنا نذوب حنينًا ورقّة حبًّا للوطن والحبّ والإنسان والله والحياة.

شعرت والموسيقى تنتهي في السي دي، أنّ الموسيقى ثقب أسود، لا يبدأ ولا ينتهي، غامض وسرمديّ، هادر ولكنّ نهايته الصّمت أو العكس، أوّله الصّمت وآخره الصّراخ، وكلاهما معًا الموت والحياة. كنت أبحث عن المعنى فوجدت أنّ الإنسان هو المعنى المرجوّ، لفرح بعيد منشود ومشتهى، ولحقّ أوحد للإنسان في كلّ زمان ومكان. كنت أسأل نفسي عن الجديد الذّي يقدّمه مارسيل، وأسأل هل تخلّى عن معاني المقاومة، وابتعد من آلام الشّارع العربيّ، فاختار الموسيقى من أجل الموسيقى؟ أو فرح الموسيقى من أجل فرح الموسيقى؟ وتساءلت هل أصبح مارسيل غريبًا عنّا وعن نفسه، وتنكّر لتاريخه، فأصبح مشروعه الوجوديّ مرتبطًا بالموسيقى كفنّ من أجل الفنّ؟ وتساءلت ما الجديد الذي يقدّمه مارسيل؟ وهل هو يتنازل عن جدّة الكلمة أحيانًا، مختارًا غريبها غير المحبّب أحيانًا، ومشيحًا بها عن وجهة المقاومة المباشرة عن قصد؟ فما هو القصد من وراء ذلك؟

في واقع عربيّ مرتهن بالحروب وويلاتها، يبتعد مارسيل من الشّعارات الرّنّانة والألحان الرّنانة، يكتفي بأن يكون نجمة في طريق شعبه، وأن يغني للفرح في الصّباحات وأن يفكّر بغيره، بموسيقى تنساب حرّة بسيطة ولكنّها هادرة، تشبه الماء، لا يقاتل الصّخر ولكنّه قادر أن ينحته ويفتّته، لذلك فعنوان السي دي الذي ينطوي على دعوة للفرح، هو إلماح إلى واقع مرّ لا فرح فيه ولا غناء، الطّفولة فيه تموت لأتفه الأسباب، ولا أغاني لليالي الحنّاء والأعراس، الآلهة بعيدة وساكتة والحياة انتفى فيها الآخر فصار عدوًّا، الإنسان مجرّد من الحبّ، يقدّس العدم، ممزّق الهويّة والانتماء والتّاريخ.

كنت أريد أن ألوم مارسيل فوجدت أنّي أعود إلى حبّه، فهو اختار السّهل الممتنع في أيّامنا، اختار الدّعوة إلى الحبّ لاقتناعه أنّ الحبّ شفاء للحرب، اختار الغناء ببساطة لأنّ الغناء فرح يبلسم الجراح العميقة التي مزّقت جسد الإنسانيّة اليوم، كنت أريد أن أطرح تساؤلاتٍ عن دور المثقّف اليوم، فوجدت أنّ مارسيل مازال وفيًّا للحرّيّة، من خلال إيمانه بقوّة الموسيقى في بعث الحبّ المفقود، ومن خلال تكريسه موسيقاه لبعث الفرح في عالم يمور بالأحقاد ويغلي بالفتن. فهل للمثقّف دور أكبر يستطيع أن يقوم به اليوم؟ أو مسموح له أن يمارسه؟ وهل يمكن لي أن اتّهم مارسيل بالتّنكّر لماضيه وهو يشتبك بالفنّ بطريقة هادئة في تغيير جماليّ يروم إشباع لذّة التّناغم المفقود، تغيير نوعيّ غير صاخب ومغاير للمبتذل، الذي يقدّمه الآخرون فيما نراه قد قدّم، من مشاريع فنّية عربيّة لم تحمل سوى التطّبيل والهتاف الذي يذكّر بالشّعارات السّياسيّة، تلك الشّعارات التي لم يعد يخفى على أحد أنّ مارسيل يحاول أن يكرّس رفضه لها.

في “غنّي لي” مارسيل خليفة يمارس دوره كمثقّف واع دوره من خلال وعيه باللحظة التّاريخيّة الرّاهنة، فيأتي بالسّهل الممتنع، بالموسيقى العذبة السّلسة داعيًا إلى الحبّ، متمسّكًا بغربته، منجدلًا في شرنقته الذّاتيّة، كينونة متفرّدة، مجدّدًا في روح موسيقاه، مؤمنًا بأنّ الآتي سيكون للغناء، للإنسان المحبّ للإنسان.

شارك الخبر

تفقّد ايضاً

بالفيديو أصالة نصري ورحلة رائعة إلى صعيد مصر مع “بنت أكابر”

كتب/ زاهي حميّد أطلقت النجمة أصالة نصري مؤخراً أغنية جديدة بعنوان  “بنت أكابر” وهي من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.