الخميس , مارس 4 2021

الشهيد الحي البطل عبد الجواد السويلم:”قُطعت أطرافي فشاركت بحرب اكتوبر وفدائي كُتبت خصيصاً لي”

حوار/ ابتسام غنيم(من الارشيف)

(فدائي فدائي / أفدي العروبة دمائي / أموت أعيش ما يهمنيش وكفاية أشوف علم العروبة باقي)، كلمات صاغها الشاعر الراحل محمد حمزة ولحنها بليغ حمدي وغناها عبد الحليم حافظ عقب حرب الإستنزاف لكن قلة من يعلمون أن تلك الأغنية كُتبت خصيصاً للشهيد الحي البطل في الجيش المصري بالصاعقة عبد الجواد سويلم، الذي قام بعدة عمليات ضد العدو الصهيوني وحتى وبعد أن بُترت قدمية ويده وفقد النظر بعينه الشمال أصر أن يعود إلى الميدان لتكون له مشاركة فعالة بحرب 6 اكتوبر والنصر العظيم.. معه كان هذا اللقاء الحصري الذي نشرته بالجرس قبل سنوات واليوم أُعيد نشره بمناسبة حرب 6 اكتوبر وانتصارات تشرين وفي بداية حوارنا بدأ بالحديث عن حبه للبنان فقال:

-“أنا بعشق لبنان وشعبه” لأنه حر ويحب الحياة ويقاوم الموت والظلم”وكمان عشان الشحرورة صباح لبنانية والست فيروز التي أذوب ولهاً بصوتها” لدرجة أني أسميت حفيدتي الأخيرة فيروز تيمناً بالست التي أجمل من غنت للقدس برائعتها”زهرة المدائن” وأنتم كما قلت لك شعب كبير بقيمته وحبه للفن وللبطولات على السواء، لانكم ساعة الجد تعرفون كيف تواجهون العدو، ولا يمكن أن ننسى أن بيروت هي ثاني بلد بعد القدس إجتاحتها إسرائيل.

*الأبطال هل هم مكرمون بوطنهم؟

-مصر بلد عظيمة وقال الله في كتابه الكريم(اذا فتح الله عليكم مصر اتخذوا من اهلها جنداً كثيفاً ) لم يقل فلسطين ولا لبنان ولا العراق بل خصّ مصر بالذك، كل أصدقائي من أصحاب البطولات منهم أربعة دمروا مئة دبابة اسرائيلية، ليس مهماً أن نحمل سلاحاً بل كيف ومن يستخدمه،  وكلهم تم تكريمهم وبعد ذلك حُجبت عنهم الأضواء.

*أنت كنت في الصاعقة؟

-بالظبط، ومعناها رجال المهام الصعبة،”يعني الحاجة الصعبة يتولى أمرها رجال الصاعقة” وكانت إمكانياتي النفسية والمعنوية منذ أن إلتحقت بالجيش تؤهلني لدخول الصاعقة، كما كانت أمنيتي الوحيدة ولا زالت أن أموت شهيداً، عندما أصبت بسن الثالثة والعشرين قلت الرب كتب لي الشهادة بسبيل الوطن لكني نجوت واليوم أتمنى أن أستشهد في القدس،(ويضيف) إنتسبت للجيش عام 1966 بقسم الحرس الرئاسي، ولم أكن مرتاحاً، وعندما حصلت النكسة تعبت نفسيتي لأن أشياء كثيرة كانت تحصل بعهد الزعيم الخالد جمال عبد الناصر بغفلة عنه ونحن كشعب كنا نعشقه، بل كل العرب كانوا يحبونه وأمريكا نفسها كانت تهابه، عندما سمعت خطابه بالتنحي أجهشت بالبكاء وصدقيني هو زعيماً حقيقياً منذ لحظة ولادته من بطن أمه، وحتى اليوم لن يُعوض اذ يكفيه فخراً إنه مفجر ثورة 27 يوليو، وشارك بخلع العهد الملكي ، وواجة الأنكليز وحرر قناة السويس التي كانت مستعمرة وبنى السد العالي وبث روح القومية العربية بالجيش المصري هذا هو عبد الناصر، وصدقيني السادات لا يقل عنه زعامة وقوة ويكفينا البطوله والنصر الذي شهدها عهده بحرب 6 اكتوبر كونه أصدر قرار الحرب وكنا في شهر رمضان الكريم.

*حدثنا عن العملية التي قمت بها وكيف أصبت؟

– كما أسلفت الذكر كنت بالحرس الجمهوري ولم أكن راضياً فأنتقلت بعد هزيمة 1967 إلى كتيبة الصاعقة، وفي يوم كنت عائداً من العريش من بلدتي الأسماعيلية وشاهدت الخسائر الفادحة التي تعرضنا لها، وكيف تعامل معنا الصهاينة بمنطق الشياطين إذ انهم كانوا يضربون وينكلون بالأسرى المصريين مع العلم إننا بحرب اكتوبر لم نسيء لأي أسير بل كنا نطعمهم ونهتم بهم والله شهيد على ما أقول،”المهم يا ستي” بدأت حرب الإستنزاف بعد النكسة وأحتلوا الصهاينه سينا والمحاور، وجيشنا كان مصاب معنوياً وجسدياً، كتيبة الصاعقة هي الوحيدة التي نفذت من الخسائر، كما أن رجال الصاعقة مثل العفاريت مستحيل”حد يمسكنا ونفضل نقاوم لآخر لحظة من عمرنا”، وبدأنا حرب الأستنزاف بأمر من الزعيم جمال عبد الناصر الذي طلب من رجال الصاعقة أن تشارك بها، وأن ندخل إلى سينا ونخطف صهاينه كأسرى، ونحضر الخرائط والأسلحة وخلافه، وبدأنا نقوم بالمهام حتى العام 1970 وبفضل الله تعالى والقادة الذين دربوني أستطعت أن أدمر خلال ثلاث سنوات 16 دبابة اسرائيلية، و11 مدرعة،و2 بلدوزير اتوبيس، وفي آخر عملية لي كنت في عمق سيناء بحوالي 35 كيلو قمت بأحدى العمليات في قناة السويس واتممتها وعقب عودتي، ترصد لي أحد الطيارين الأسرائيلين وطبعاً هذا جُبن منه إذ كان عليه أن يحاربني على أرض الواقع جندياً لجندياً، عندها أصدرت أوامري بتدمير المخازن الرئيسية العامة وكنا يومها حوالي 17 فرداً، والعدو لا يمكن أن نستخف بذكائه وليس سهلاً على الأطلاق ، عندها ثبّتت العبوات الناسفة في 11 مخزناً وأمنت الشباب الذين كانوا قرابة خط برليف بكل ألأحتياجات من معدات وطعام، كي لا يشعرون بأي عجز، وقتلنا 16 جندياً إسرائيلياً وهذا حصل على غفلة وخارج الخطة التي كنا نعدها، ولأن كل فعل رد فعل ، كان أن أرسلت إسرائيل 4 طائرات لتبحث عنا، وكان ذلك في تمام الساعة السادسة صباحاً، ونحن بالصاعقة لدينا أساليبنا الخاصة بالتحايل على العدو، يعني كما يقول المثل”التي تِغلبوا لاعبوا”، إذ إننا نقوم بعمليات متنوعة بلا وقت محدد، وكثيراً ما نتلون كالحرباء وفق ظروف التي تطرأ علينا، المهم تأخرت عن زملائي بمسافة 2 كيلو حيث كنت أقوم بمهمة صعبة لا يمكن أن أفصح عنها بأية وسيلة أعلامية وفجأة أتت الطائرات الأربع وبدأت تضرب بنا، وأصطادني طياراً ترك المجموعة ولحق بي تصوري وكنت حينها في سن الـ 23 سنه “ومشمر على سواعدي وطول بعرض وبجري ومعايا سلاح وبلطة وخنجر وبقول يا أرضي نهدي ما عليكي قدي وصحة وجسارة” وصار يقصف عليّ وأنا أهرب منه، ولا أنكر أن شكل الطائرة كان مرعباً للغاية عن قرب لما فيها من صواريخ، لذا كان يجب أن أتعامل مع الموقف بقلب ميت وأنا أصلاً كنت أعتبر نفسي ميتاً، رغم أن مصر بحاجة لي ولأمثالي لأن سيناء محتلة ويجب أن نحررها، بذلت مجهوداً كبيراً للهروب منه وكان معي سلاح”كلاشينكوف” فقط لا غير كي أرفع معنوياتي وبالتالي لأفهمه أني لا أخافه، بقينا على هذا الحال 5 دقائق لا أنكر أن تدريبه كان عالياً، وأنا كذلك لكني أعزل وكنت أشير له بيدي “إنزل إنزل” واذ به يرصدني بصاروخ شعرت بنفسي أطير وأقع ارضاً، أردت أن أمسك المسدس الذي معي رأيت يدي مقطوعة، لم أفقد وعي وتمعنت بالنظر أمامي رأيت قدمين مقطوعتين ولم أشعرحينها أنهما قدماي، وسألت نفسي يا ترى من مِن زملائي قطعت قدماه؟ حاولت الوقوف لم أستطع وشعرت بدوار نظرت إلى الأسفل فعلمت أن قدماي تقطعت مع يدي.

*ماذا شعرت بتلك اللحظة؟

-لم ازعل ولم أشعر بأي نوع من الأسى “لأني نفسي أموت شهيد” عندها فرحت وقلت حانت اللحظة التي انتظرها عندما كنت طفلاً كنت أضرب الأنكليز بالحجارة  في بلدتي بالإسماعيلية وأتمنى أن يردوا عليّ لأموت شهيداً، لذا عندما أصبت قلت في نفسي لقد أتت الشهادة وكانت أحلى لحظة بعمري وأقسم بالله العلي العظيم أني ما أقوله ما هو إلا الحقيقة بعينها، وكان أجمل منظر رأته عيني بعد الكعبة هي الدماء التي كانت تنزف مني وتروي أرض الحبيبة مصر بسبيل الدفاع عن الأرض والعرض والدين والأخذ بالثأر ممن مات بالنكسة.. إنتظرت دقيقتين فلم أمت وكنت في قمة قواي العقلية، وهنا خفت أن يأسرونني وينكلون بي خصوصاً أن أي من زملائي لم يأتي فقلت إما إنسحبوا أو أستشهدوا كلهم، عندها زاد خوفي من الأسر فقلت أموت ولا أقع أسيراً ويعذبونني حتى يأخذون مني المعلومات عن الجيش المصري والصاعقة والأمن القومي وغيرها، فكان القرار بقتل نفسي سحبت مسدسي ونطقت الشهادتين وقلت:” يارب سامحني انا لا انتحربل أقتل نفسي كي لا اؤسر”، ووضعت المسدس ناحية القلب ودست على الزناد فلم يحصل أي شيء، وكان في ذلك الوقت اصحابي يفتشون علي فوجدوني مرمياً بالصحراء وكان معهم قائد العملية الذي يشغل اليوم منصب لواء وإسمه عزت ابراهيم ، وعلى الفور ربط قدمي ويدي وحملوني فطلبت منهم أن يحضروا يدي وقدمي حتى يدفنوهم، ومشوا تجاه القناة ووصلنا السويس وأدخلوني المستشفى وكان النزيف حاداً، وبعد الكشف قال الطبيب أن وضعي حرجاً وإقترح نقلي إلى بور سعيد، وكان الوضع متأزم فتم حملي من جديد والعبور بي كمجازفة من الساعة الثامنه صباحاً حتى الثامنه مساءً سيراً على الأقدام، وطوال الطريق كنت أحدث زملائي كي لا أفقد الوعي رغم المحاليل الموضوعة بيدي، وكنت أقول لهم أتركوني وعودوا أدراجكم لكنهم لم يقبلوا، وحتى اليوم علاقتي بهم مستمرة ووطيدة وأقبل أيديهم كلما التقيهم لأنهم أبطالاً جازفوا بأنفسهم من اجل إبقائي على قيد الحياة ، وفي بور سعيد وضعوني بالمستشفى العسكري وهناك بدأت أشعر أني أفقد الوعي ودخلت غرفة العمليات ولم اشعر بنفسي باليوم التالي إلا والدكتور يناديني بأسمي، وعلمت أن قدماي بترتا ويدي وعيني الشمال فقدت منها النظروفي ظهري يوجد جرحاً غائراً، بعدها نقلوني إلى دمياط ثم إلى القاهرة ،وهناك دخلت في غيبوبة لمدة خمسة أيام وعندما وعيت وفي اليوم التالي قالوا لي أن شخصاً مهماً سيزورني، ( ويتابع) وأتفاجأ بالرئيس جمال عبد الناصر داخلاً عليّ وكنت نائماً على بطني لأني كنت مصاباً ببعض الشظايا بظهري، صدقيني عندما رأيت الرئيس بهرت “ده برضو عبد الناصر يا جماعة وما أدراكم ما عبد الناصر”، ناقشني بالعملية وكنت أرد عليه بترتيب لحوالي الثلث ساعة، وقبل أن ينصرف سألني ماذا تطلب وماذا تريد أن نؤمن لك؟ فرديت على الفور أني أريد  العوده إلى ميدان القتال مرة أخرى وهذا الكلام موثق بوزارة الدفاع، عندها ذُهل وكان معة وزير الحربية محمد فوزي فقال له:” مادام يوجد في مصر رجالاً مثل عبد الجواد فسوف ننتصر انشألله”، وقبلني على جبيني وقال لي:” أنا مش خايف على مصر” وأنصرف.. بعد خروجي من المستشفى تم تركيب أطراف أصطناعية لي ودفنوا قدماي ويدي ببور سعيد، وعقب الانتهاء من كل ذلك قررت مواجهة الواقع بشجاعة أكبر فشاهدت بعض العساكر يلعبون فوتبول، فأقتربت منهم وسددت ضربة من باب التجربة فأتت بوجه عسكري سال الدم من أنفه عندها قلت في نفسي أني مازلت قادراً على الحرب، ثم صعدت  سلم احد المباني ونزلت لوحدي دون مساعدة أحد ومن هنا زاد حماسي أكثر لآخذ بثأري ومصر من الصهاينة، وكانت المفاجأة عندما شاهدني زملائي آتياً اليهم ماشياً بالأطراف الأصطناعية بعد أن كنت على وشك الموت وإذ بهم يبكون ويحتضننوني وأخبرتهم اني سأشارك بالحرب معهم وكان معي حينها أجازة لأرتاح لمدة شه، ومع ذلك قررت أن لا أتركهم لحظة.. وحصل وقف أطلاق نار لمدة ثلاثة أشهر ومات حينها الزعيم جمال عبد الناصر الذي كرمني قبل وفاته مرتين وتولى السادت الحكم وايضاً كرمني وبدأنا ليلاُ نهاراً العمل داخل سيناء، وكنا نخطط ونجتمع ونتناقش، وكان بعدها القرار بالحرب التي شاركت بها بتخطيط العمليات وتغيير المواقع، وكنت أدير العمليات واشجع الشباب وأرفع من معنوياتهم حتى حققنا النصر العظيم ونزلت على سيناء، ومرمغت وجهي بتربها التي شربت دماء شهدائنا الأبطال.

*”فدائي فدائي” قلة يعرفون أنها كتبت خصيصاً لك؟

-بالفعل يومها كتبها الشاعر محمد حمزة ولحنها بليغ حمدي وغناها عبد الحليم لانهم عرفوا بقصتي وأني أحلم بأن يظل علم العروبة باقي، ومستعد افدي العروبة بدمائي” وأموت او أعيش ما يهمنيش”.

*كنت مع اتفاقية “كامب دايفيد”؟

– كان ضرورياً أن يقوم بها الرئيس السادات، لسبب اننا لسنا بحرب مع إسرائيل بل مع الغرب كله بلا استثناء، وخطابه بالكنيست كان رائعاً، كما علينا أن لا ننسى أن أول شهيد بحرب أكتوبر كان شقيقه الأصغر الطيار عاطف السادات الذي زرت قبره مراراً في بلدته ميت أبو كوم.

*كيف عشت حياتك بعد ذلك؟

-تعرفت إلى سيدة فاضلة وتزوجنا وأنجبت منها ثمانية أولاد” اربع بنات وأربع صبيان” ولدي 13 حفيد، وسعيد بهم جداً.

*اليوم كيف تعيش حياتك؟

– لدي معاشاً من القوات المسلحة، كما اني متعاقداً مع الشؤون المحلية بالقوات المسلحة حيث أُعطي تدريبات معنوية بالجامعات والمدارس والوحدات ، وأحمد الله اني حجيت بيت الله الحرام ونُشرت سيرتي بكتابي “12 بطوله” لمنى نور الدين، ومن سجلات الشرف لـ “خليل ابراهيم خليل”، ومؤخراً نشرت قصتي بكتاب”البطل الأسطورة”، بعدها أطليت ببرنامج تلفزيوني وسألني المذيع عن أمنيتي فقلت له ان أزور الحج مرة ثانية فكان أن أتصل فاعل خير وعرض علي مبلغ 100 ألف جنية فقلت له آسف لا استطيع أن آخذ منك المال تكلم مع قيادة الجيش، وبعدها تكلم معهم وأرسل لي المبلغ وحجيت وزوجتي وطفت بلا مساعدة وصعدت جبل عرفات ودعوت الرب أن يكرمني بالشهادة.

  • *ماذا يبكيك؟

-عندما أسمع اغنية “فدائي” لا استطيع أن احبس دموعي لان حمزة كتبها بمشاعري، وعندما التقيت به قال لي انه سمع من ان جندياً تقطع بالصحراء والحادثة الهمته كلمات الاغنية “الله يرحمه” كان رائعاً بوصف المشاعر الأنسانية، ايضاً احب اغنية محمد حمام عن السويس

شارك الخبر

تفقّد ايضاً

أسرار وحكاية الذئب الذي إغتصب السندريللا بأوامر رجال عبد الناصر!!

متابعة/ حسن الخواجة يُعد فيلم “الكرنك” واحد من أشهر الأفلام المصرية، وقد أنتج في 1975 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.