الثلاثاء , يناير 26 2021

مريم شقير.. برجها الذي احتضن الكثيرين مازال عالياً وماذا عن الوفاء؟

كتبت/ ابتسام غنيم

لا أعرف سبيلاً للدخول في حديقة هذه السيدة الفكرية والانسانية، لأقطف براعم البنفسج والورد الجوري،لا أعرف لغة مُعبِرة بأمكانها أن تحتضن سيلاً من الحروف وتصوغها رداء يتناسب مع مخزونها الفكري والادبي.. هي سيدة من صناعة القرار، صلبة حتى الذوبان، عاطفية حتى العناد، مريم شقير حبة إلماس مُعلقة على صدر الكلمة،خطت عناوين ثابتة في الذاكرة الادبية من خلال كتاباتها التي تضم حياة وفكراً، دغدغت الكلمة ورسمتها بالوجدان ثم سكبتها في قالب الابهار عبر انتاجاتها الفكرية فتجاوزت المسافات المُغلقة.. مريم شقير الهائمة بفضاء الكلمات والافكار لازالت ببالي حتى اليوم جدولاً من الابداع راسخاً مرصعاً بالاحساس والشفافية.

مريم شقير الغائبة الحاضرة، اتابعها عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، ومؤخراً نشرت عبر صفحتها عبر الفيسبوك هذا المقال المميز وحمل عنوان:” برج مريم احتضن الكثيرين..وأولمتُ للجميع مائدة القلب وكتاب الحياة” وكتبت:

“حين أقرأ وأتابع اليوم أخبار انتشار التجمعات والملتقيات الأدبية ، تعيدني الذاكرة سنوات كثيرة إلى الوراء ، إلى أيام الحرب ، أيام كان الخوف من الموت يجعلنا نحب الحياة أكثر ونتمسك بها أكثر..لم يكن وقتها منتديات وصالونات أدبية بهذه الكثرة ، وبحكم عملي وعشقي للشعر والأدب، حولت شقتي الصغيرة في الحازمية إلى منتدى وصالون وتجمع ثقافي في الوقت نفسه..أطلقوا وقتها على ذاك البيت العتيق تسمية ” برج مريم ” مع أنه كان يقع في الطابق الأول، وكانت غالبية أبراج آنذاك مسكونة بالقناصين..برج مريم كان مسكونا بالأصدقاء والصديقات، كنا نجتمع كل أسبوع وأحيانا كل يوم، المكان لا يتسع، فكان الأصدقاء يفترشون الأرض والمدخل والبلكون اليتيم، والمحظوظون منهم ينالون الحظ بالجلوس على المقاعد المتواضعة.. شعراء ورسامون وملحنون ومغنون، وصحفيون وسيدات مجتمع،  أتذكر كثيرين كانوا في البدايات لتجاربهم، اليوم صاروا نجوما وكبارا في تخصصاتهم إن كان في الأدب أو الفن أو الاعلام .. زاهي وهبي، يوسف بزي، يحيى جابر، نعيم تلحوق، وعصام العبد العبد الله رحمه الله وعماد العبد الله ، وبسام حجار وجوزف عيساوي، وفي مراحل متقدمة كاظم الساهر، ومنى واصف ودريد لحام،  وفايز قزق وجواد الأسدي، ورندا الأسمر، وكثيرات وكثيرون، اعتبروا ذاك البيت القديم سفارة للجميع، سفارة للثقافة وبرجا للمحبة التي بلا حدود..

حتى الجيران لحظة تبدأ أمسياتنا في الشعر والموسيقى، كانوا يتشاركون معنا ويتجمعون على البلاكين المتقاربة سعداء..
ثم انتقل برج مريم إلى الدريم في شارع الحمرا، وتوسعت رقع المريدين والمريدات، وكان علي احتلال ثلاث شقق متقاربة ليستوعب البرج محبيه وساكنيه .. وفتحت أماكن للمتسكعين العابرين من بيروت، جنان جاسم حلاوي، زهير غانم،  وحاكم مردان وكثيرون سواهم، وجدوا في برجي الملاذ والمنبر والمنصات.. كان العدد يزداد في كل لقاء، وأذكر يومها حين أطل علينا عبد الحليم حافظ الشعر شوقي بزيع كما كنا نطلق عليه لرومانسيته وحضوره المحبب، وأذكر أنني استضفت صديقات لي بشرى عسيران أطال الله في عمرها، والراحلة أمل نجار التي خطفها الموت بغلطة طبية مفضوحة، وأقمنا وقتها الدنيا ولم نقعدها والتي تتلمذت لتكون رسامة في منتهى الرقة على يد صديقنا المشترك الفنان هرير، عاينوا عن كثب واقع برجنا الأدبي، فقره وبساطته، وغناه بالشعر والطيبة والبياض، ولبينا دعواتهم إلى شقق فاخرة ، وبيوت لا يشبهها برجنا البسيط،  عرفنا قتها الفارق بين أبراج المخمل وبرجنا المصنوع من الخيش والجنفيص، كنت أقدم للجميع المودة وأفتح موائد القلب،  ضيافة ملكية قيمتها المعنوية أكثر غنى مما تقدمه القصور الفارهات.
واول لقاء جمعني بمثقفي وشعراء شارع الحمرا ومرتادي الويمبي والمودكا والكافيه دي باريس تلك المقاهي التي تغيرت وتغيرت أسماؤها وتحولت اليوم لمحلات بيع أحذية وألبسة، كان لقاء الجمعة الثقافي، وكان يديره مؤسساه الصديقان سعيد طه وزوجته سحر،  احتفاء بكتابي الأول خرائط وعصافير، وتحدث عن الكتاب كثيرون أذكر من بينهم الصديقة الرائعة الدكتورة تور سلمان ، ونسيت بقية الأسماء، وهي ذهبت مع كل أرشيفي الذي التهمته النار في الحريق الكبير الذي أصاب منزلي قبل سنوات.
أتذكر تلك الأيام ، للأسف لم يسجلها أحد في كتاب الزمن ، لكنها برأيي كانت البدايات الولادة لكل ما جاء بعدها من صالونات وملتقيات وجمعيات ثقافية..لغاية اليوم برج مريم لا يزال عاليا قائما في قلب مريم ، وفي قلوب قلة حملوا بعض الوفاء ، وكثرة تناسوا أول الدرب”.
وأخيراً لا بدّ من القول بأنّ تلك السيدة صاحبة الفكر والثقافة التي عاصرت الكبار من صباح وعمر الشريف والكثير من أعلام الفن والثقافة والسياسة والأدب، كانت صديقة للبعض وموسوعة للبعض الآخر يستفاد من خبرتها ودرايتها، وهي أيضاً المعلّمة والمثال الذي يُحتذى به في عالم الصحافة والإعلام ، وقد ساعدت ودعمت وقدمت المشورة لمعظم من هم نجوم ساطعون اليوم في مجالي الفن والصحافة، أنا والجميع نعلم هذا جيداً وحتى من تناسى فضل تلك القامة الكبيرة عليه فإنه يدرك جيداً ضمنياً أهميتها وبصمتها الكبيرة في مسيرته.
شارك الخبر

تفقّد ايضاً

مي سحاب : “هذان أهم حدثان بحياتي ومسرح جورج خباز مدرسة متفردة”

حوار/ ايناس الشامي تجمع في شخصيتها بين الرصانة وخفّة الظل، العمق والبساطة، الجدّ والمرح..وتجمع في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.